موقع الشيخ طلاي

Menu

من كتاب : أرني الله – توفيق الحكيم

جلسة يوم  25/03/2009 الموافق لليلة  28 ربيع الأوّل 1430هـ

أيّها السّادة الحضور عشّاق الثقافة والمعرفة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جلستنا ستكون بحول الله وتوفيقه في موضوع الأدب، وقد مرّت بنا جلسات كانت في موضوع السيرة النبوية والمدائح والأشعار في الثناء والصلاة على خير البريّة، مَن أمَرَنا اللهُ بالصلاة والسلام عليه.

وهذا أيضا لا يشذّ أو يبعد عن موضوع الأدب، ولو أنّه بالتاريخ والسيرة ألصق وأشدُّ.

اخترتُ لكم معشر السادة والحضور نصًّا خياليًّا، يُصوِّرُ حالة الإنسان وجشعه وحرصه على جمع المال والاستمتاع به، وجعْل ذلك الغايةَ القصوى من حياته في هذا الوجود.

وهذا خطأ كبير يقع فيه الكثير من أبناء آدم المغفّلين والغافلين؛ ذَكَّرني الله وإياكم، وجعلنا ممّن ألهمه رشده وهَداه إلى سواء السبيل.

أمّة عجيبة

دولة عجيبةٌ تبسُطُ أجنحتها الصغيرة على الدنيا، وتنشر أفرادها في كلّ البقاع، لا تختفي منْ أرضٍ، ولا تخلو منها سماء، إذا خرج الصبحُ من جوف الليل خرجت من أعشاشها.

مَن هو المنادي الخَفيّ الذي يوقظها جميعًا في لحظة واحدة، فتهُبُّ إلى العمل تُغنّي، فلا كسْلان مُتَخلِّف، ولا متثائب مترَف.

قال عصفور صغير لأبيه ذات يوم:

ألسْنا نحن يا أبتِ خَيْر مَن عمَّرَ هذا الكون من المخلوقات ؟ فهزّ العصفور الكبيرُ رأسه وقال:

إنّ ما ذكَرْتَ شرف لا ينبغي لنا أن ندَّعيهِ، هناك من يزعم لنفسه هذا الحقّ؛ الإنسان ! ذلك الذي يرشق أعشاشَنا بالحجارة. ربّما كان خيرا منَّا، ولكنّه ليس أسعد مِنَّا لأنّ في جوفه شوكَةٌ تخزُه دائما وتعذّبُه.

قال العصفور الصغير: يا له من مسكين ! ومَنِ الذي وضع فيه هذه الشوكة ؟

فقال العصفور الكبير: هو الذي وضع بيده هذه الشوكة التي تُسمّى “الجشع“، وهذا ما لا تعرفه أنت أيّها الصغير،

ولكن أنا الذي عرَفْتُ ما في الإنسان لكثرة ملاحظاتي له، ولِوُقوعي في قبضته أكثر من مرّة. إنّ الجشع هو الذي يجعله لا يشبع ولا يَطْمَئِنُّ ولا يستريح.

نحن لا نعرفُ الاستغلال، فعصافير الأرض تخرج كلُّها للعيش فرِحةً مُغرِّدَةً متآخية، والإنسان لا يحلُم إلاّ باستغلال أخيه الإنسان ليعمل بدلاً منه منذ الصباح الباكر، ويتمدّد هو في فراشه يتمطّى ويتثاءب حتّى الضُّحى، فلا يرى الشمس الذهبيّة، ولا الفجر الفِضِّي، ولا يستنشقُ الهواء النديّ، إنّما شمسُه ذهبٌ مرْصود في المصارف، وفجره فضّة تُزيِّنُ أدوات حجرته، وهواؤه طمعٌ يملأُ صدرَه.

عن توفيق الحكيم

من كتاب : أرِني الله

ملاحظة

كأنّ الكاتب يشير بذلك إلى قوله r: «لَوْ تَوَكَّلتم على الله حَقَّ تَوَكُّلِه، لَرُزِقْتُم كما تُرزق الطيور، تغدو خِماصًا وتَروحُ بِطانًا».

Categories:   ندوة الإربعاء

Comments

Sorry, comments are closed for this item.