موقع الشيخ طلاي

Menu

أضواء على وادي مزاب، ماضيه وحاضره – مفدي زكرياء

جلسة يوم  05/01/2011م الموافق ليوم 30 محرّم 1432هـ

أيّها السادة الكرام، أيّها الأساتذة ومحبّي الثقافة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأخصّ بالتحيّة صديقنا العزيز الأستاذ قشّار الحاج عمر.

وإنّه لشرف كبير أن زار ندوتنا في هذه الأمسية فأهلا وسهلا به.

أيّها السادة الأجلاّء إطلالتنا في هذه الحصّة ستكون على كتاب صدر أخيرا عن مؤسّسة مفدي زكرياء بعنوان: ” أضواء على وادي مزاب، ماضيه وحاضره”، دراسة وتحقيق الدكتور إبراهيم بحّاز، الطبعة الأولى 2010.

والكتاب له أهميّة كبرى من ناحيتين: ناحية الدراسة والتحقيق من طرف الدكتور، وناحية مضمون الكتاب، الذي هو عبارة عن حلقات أعدّها الشاعر الكبير، إمّا لتُنشر بعنوان “الكتاب الأبيض في تاريخ ميزاب”، أو لتُذاع في إذاعة تونس إبّان الثورة التحريرية، ولكن لم يكتب الله أن يتمّ ذلك، لا من ناحية كتاب خاصّ يخرج إلى الوجود ولا من ناحية إذاعته حلقات.

وأكبر من هذا أنّ الأمرين لم يتمّا معًا ولم يفرغ منها الشاعر الكبير، فالكتاب توقّف في الحلقة 13، والحلقات الإذاعية توقّفت في رقم 17 أو 18. واليوم نقتصر على قصّة وفكرة كتابة هذه الحلقات، وكيف وصلت إلينا.

«وممّا يجدر ملاحظته في هذه السيرة الثرّة للأستاذ مفدي زكرياء أنّه لم يكن شاعرا فقط، وإنّما كان أيضا صحفيا وكاتبا ومؤرّخا، وهو ما لا يعرفه الكثير من المثقّفين بله غيرهم، فمن بين إنتاجه الفكري الشعري والنثري نسجّل سبعة أعمال هي من صميم الكتابة التاريخية، وما رائعته “إلياذة الجزائر” إلاّ عمل تاريخي في قالب شعري قلّ نظيره في العالم، دوّن فيه تاريخ الجزائر عبر عصوره المختلفة وخدم بها هذا الوطن في الذاكرة الجزائرية العامّة، كما خدم نفسه من خلالها تبعا لذلك، وهو أهل لهذا الخلود ولا ريب.

إشكالية التأليف المشترك بين مفدي وخاله محمّد الحاج الناصر.

بعد هذه الترجمة السريعة لمؤلّف كتاب “أضواء على مزاب” -والتي لم نرد منها الاستقصاء، فدون ذلك لمن يريد المزيد، كتب التراجم والدراسات والمقالات التي ألّفت عنه وعن شعره وجهاده في الحركة الوطنية والثورة المباركة- أودّ أن أشير إلى أنّ كلّ من كتب عن مفدي زكرياء وذكر كتاب أضواء على مزاب، إلاّ وذكر مفدي لوحده مؤلِّفا للكتاب، فلم يُذكر معه أحد- إلاّ أنّ الشيخ الحاج إبراهيم بن محمّد طلاّي، في النسخة التي خطّها بيده للأضواء والتي سنعتمدها في التحقيق، كما سوف نفصّل، يذكر في الورقة الأولى من المخطوط هذه العبارات: «فيما يلي الدراسة التي شرع فيها الأستاذ الحاج الناصر محمّد والشاعر الكبير مفدي زكرياء، وعزما على إكمالها وإصدارها كتابيا [كذا] ودراسة عن مزاب والمزابيين».

فهل “الأضواء” للشاعر مفدي زكرياء منفردا أم للشاعر بمعيّة الأستاذ الحاج الناصر محمّد نزيل المغرب الأقصى سابقا.

وللإجابة عن هذا التساؤل، جلست إلى الشيخ الحاج إبراهيم طلاّي، فأخبرني بأنّه لمّا كان في تونس، في خريف 1955م، أخبره محمّد العساكر، أنّ الحاج الناصر ومفدي زكرياء بصدد تحرير كتاب في تاريخ وادي مزاب، وكانا مقيمين في فندق الكابيتول بحيّ باب البحر وسط مدينة تونس العاصمة، وذلك عند اشتداد أزمة المقاطعة التي تعرّض لها التجّار المزابيون في مدينة البليدة وبعض المدن الأخرى بالشمال الجزائري، وكانت وطأتها في البليدة أشدّ من أيّ مدينة أخرى، ولقد تعرّضتُ أنا شخصيا، يقول ج.إبراهيم طلاّي، بالضرب بالطماطم، وقد بدأت المقاطعة في أواخر شهر جوان 1955م.

إذن، هو مجرّد سماع، لم يتأكّد باطّلاع مباشر أو معلومة دقيقة، ولمّا سألته كيف تحصّلتم على نسخة الكتاب؟ أخبرني بأنّه طلب من محمّد لعساكر تزويده بنسخة منها لنسخها، وكان ذلك في حدود بداية عام 1956م، وهذا ما لا يتذكّره الدكتور لعساكر لمّا تكلّمتُ معه.

وعن سؤال عن إذاعة هذه الحصص أو الحلقات في الإذاعة التونسية، يؤكّد الشيخ طلاّي أنّه لم يتمّ بثّها عير أثير الإذاعة إطلاقا، وإلاّ لسمعناها ولتتبّعناها، إذن لم تُذع هذه الحلقات ولا سمعتُ أحدا قال بإذاعتها يؤكّد الشيخ طلاّي ثانية.

ويجمل الشيخ رأيه في الموضوع قائلا: «إنّ الكتاب أُعدّ بين الرجلين مفدي والحاج الناصر، إبّان المحنة وهما نزيلا فندق الكابيتول بتونس، جاءا معًا إلى تونس بسبب هذه القضية فكان كلّما يكتب شيء إلاّ وقدّم في ملزمة إلى الطباعة، وعندما تغيّرت الظروف للرجلين خرجا من تونس…وبقيت الملزمة في يد محمّد لعساكر، ومنه نسختُها بيديّ في حدود عام 1956م».

وعند اتّصالي بالدكتور محمّد لعساكر بدا لي أنّه لا يعرف أيّ شيء عن هذا الكتاب، ولمّا أعطيتُ له بعض التفاصيل وذكرتُ له العنوان الذي كان متداولا آنذاك وهو: “الكتاب الأبيض” فكأنّه تذكّر شيئا وطلب منّي معاودة المكالمة لاحقا، فعاودتُ الاتّصال به وهاتفني هو الآخر مشكورا مرّتين، إلاّ أنّ النتيجة ظلّت هي نفسها، وأخبرني بأنّه سيظلّ باحثًا عن المراد إلاّ أنّ عملي كان قد تمّ، طالبتني به المؤسّسة، ولم يبق منه سوى هذه الإشكالية.

والذي أراه مستنتجا من حديثي مع الشيخ طلاّي، أنّ الحلقات تُركت عند الأستاذ محمّد لعساكر على أمل إذاعتها نكرة بلا مؤلّف أو طباعتها، ولكن لم يتمّ مراد مفدي من ذلك فلم تُذع ولم يسمعها أحد.

كما أنّ إشكالية منفردا أم بالاشتراك مع الحاج الناصر، تبقى مبهمة ما دمنا لم نتحصّل على يقين ثابت في الموضوع، والذي انتهتُ إليه هو أنّ الحاج الناصر ساهم في التأليف، إذ أنّني أجد وبقوّة بعض أفكاره ولغته في الكتاب، ولكن بصمات مفدي أقوى، ويكفي أنّ آخر الكتاب وهو الورقات العشر الأواخر إنّما هي بخطّ مفدي زكرياء، وهذا دليل على وجود مفدي في الكتابة والتأليف.

ولعلّ ما يُعرف بـ “الكتاب الأبيض” هو الكتاب الذي تعاون عليه الرجلان تأليفا، وهو كتاب شبه مغمور، أمّا “الأضواء” فمن تأليف مفدي لوحده، ولذلك لم يعرفه المعاصرون لتلك الفترة، نقول هذا ونحن لا نستبعد أن يكون مفدي اعتمد المادّة الخبرية للكتاب الأبيض في تأليف “الأضواء”، وأضاف إليه، وهذا أمر معقول ومقبول.

Categories:   ندوة الإربعاء

Comments

Sorry, comments are closed for this item.