موقع الشيخ طلاي

Menu

رسالة حول بعض عادات وأعراف ميزاب – الشيخ قرادي

جلسة يوم  19/08/2009م الموافق لـ 28 شعبان 1430هـ

الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده،

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيّدنا محمّد وعلى آله وصحابته الأبرار.

إخواني الحضور السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛ بعد فترة توقّفٍ استجماما وراحة نعود إلى أحاديثنا الأسبوعية حامدين الله تعالى على ما أولانا من نعمه وأفاض علينا من إكرامه وحسن عنايته، أرجو أن تكونوا قد استفدتم في هذه الفترة ما يجعلكم مقبلين على الحياة بصبر وحكمة، سالكين دروبها ببصيرة ورويّة، مغالبين للصعوبات والمشاقّ التي لا تخلو حياة عبد مؤمن بربّه منها ومن معاكساتها، والله تعالى لا يُسلمه ويتركه وهو يدعوه كلّما وقف للصلاة «اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ».

جعلنا الله وإياكم ممّن استجاب لهم وحقّق لهم رجاءهم واستجاب لدعائهم.

إخواني وقفتنا في هذه الجلسة ستكون إطلالة على كتاب نفيس خرج لِتَوّه من المطبعة، أهداه إلى المكتبة الأساتذة الفضلاء أبناء الشيخ المرحوم قرادي الحاج إبراهيم.

والكتاب في ثلاثة أجزاء صدر بمناسبة مرور 20 سنة لوفاة الشيخ رحمه الله في المدينة المنوّرة بتاريخ 1 ذي الحجّة 1409هـ، الموافق لـ 4 جوليت 1989م، ودُفن بالبقيع رحمه الله.

قلتُ لكم إنّ الكتاب يشتمل على ثلاثة أجزاء أَختارُ من الأجزاء الثلاثة رسالته في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، تقديم وتحقيق الأستاذ الفاضل يحي بن بُهون حاج امحمّد.

هذه رسالة يَرُدّ فيها الشيخ القرادي ما عندنا من عادات وأعراف في هذه المنطقة الصغيرة من الجزائر الكبيرة إلى ما يتمتّع به غالب المزابيين من السلوك والعمل النظيف بفضل تشبّعهم بالثقافة الإسلامية وحرصهم على جعل الإسلام محور حياتهم وتصرّفاتهم نحو بعضهم بعضا، وتعلّقهم بمبادئه إلى أبعد الحدود.

اسمحوا لي أن أقرأ عليكم فقرات من أوّل هذا المؤلَّف الهامّ في هذا الموضوع يَعرض علينا فكرته، استمعوا إليه رحمه الله:

« ملامح المجتمع المسلم

إنّ هذا المجتمع الإسلامي على قلّة عدد سكّانه وعلى ضيق الرقعة الضيّقة التي يسكنها يختصر حضارة من أعرق الحضارات الإسلامية، فهو يقوم في جميع شؤونه على الدين الإسلامي في إطار المذهب الإباضي ولا يزال إلى يومنا هذا، رغم كثير من التحدّيات التي تعرّض لها منذ وصول الزحف الفرنسي إلى الأغواط سنة 1853م، واحتلال الجيش الفرنسي لميزاب سنة 1883م، وما استتبع هذان الحدثان من توالي التحدّيات والنكبات والضغوط إلى سلسلة من القوانين العرفية استمرّت إلى سنة 1951م. كلّ هذا بلور في ميزاب كثيرا من أساليب المقاومة، وكوّن طرقا جديدة من الكفاح الدائب المستمرّ، فلم يزدد هذا المجتمع إلاّ تمسّكًا بالدين وصمودا في الكفاح حتّى بعد أن استقلّت الجزائر، وتوالى ظلم ذوي القربى، واشتملت طرق المقاومة على كثير من ذوي الرأي الحصيف.

بعد كلّ هذا كما سيأتي مفصّلا، نرى كثيرا من الظواهر التي تدلّ دلالة صادقة على أنّه مجتمع مسلم ومعتزّ بإسلامه والحمد لله، فأوامر المساجد لا تزال لها قداستها وتُحترم أكثر من القوانين الوضعية، والمظاهر العامّة لا تزال إلى يومنا هذا مسلمة، والمواعيد بين الناس لا تزال مرتبطة بالصلوات في المساجد، والمرأة المحظوظة ليست هي التي تملك مالاً وذهبًا ولكن التي أدّت فريضة الحجّ، ومشاريع البرّ والإحسان متوالية ومستمرّة والفقراء في معظمهم مكفولي النفقة، ورمضان شهر يتمنّاه الفقراء لما ينفجر فيه من الإحسان، والوصايا الفردية مستمرّة ومحافظ عليها، وولائم الأفراح والأعراس متوالية، المساجد تُجدّد وتوسّع وتنشأ ويُتوسّع في مرافقها، المدارس تزداد أقسامها وتلاميذها كلّ سنة، وميزانياتها تتضخّم تبعا لذلك، مؤسّسات الإيواء تتوالى وتُجدّد وتكون في كلّ مكان وُجدت فيه مجموعة حيّة من المزابيين، وليس معنى هذا أنّ جميع أفراد المجتمع ملتزمون بحرفية القرآن، فهذا ما لم يوجد حتّى في زمن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكن أيّ فاجر لا يستطيع أن يتحدّى عواطف الجمهور ويُجاهر بشرب خمر أو بأكل رمضان أمام الناس، أو أن يتحدّى أوامر المسجد في أعياده أو أفراحه وأحزانه، وهذا هو واقع اليوم، والأولاد كلّهم يعلَّمون ما تيسّر من القرآن ويعلِّم لهم والديهم الصلاة عند البلوغ، والبنات بحمد الله محتجبات يتدرّجن في المدارس ويتعلّمن العلوم مع المحافظة على الدين والأخلاق، ووفود الحجّاج تتوالى كلّ عام لأداء الفريضة، وتحجيج الوالدين أمر يعتبره الشباب من أجلّ القُربات عند الله، وتسعون بالمائة من السكّان يملكون دارا يسكنون بها، أو كيلا يكفيهم مئونة العام، وعملا متواضعا يكفل لأب كلّ عائلة عيشا كريما على حسب دخله.

لا توجد خادمة في دار بل كلّ امرأة خادمة في دار زوجها، تقوم على إعداد طعام زوجها وأولادها مهما كان مستواها، ولا توجد أمّ تمتهن في خدمة بنتها المحظوظة شبيهة بالخادمة، والمنطقة أقلّ النواحي طلاقا وأكثرها زواجا، ولا توجد في الشوارع متسوّلة أو متسوّل رغم وجود العدد الوافر من الفقراء والأيتام والأرامل، ولا يوجد معربدون في الطرقات رغم وجود عدد ضئيل من المدمنين، ولا يوجد مدخّن واحد في رائعة النهار وإن وجد بعض المتستّرين وعدد أقلّ من القليل.

أليست كلّ هذه ملامح مجتمع مسلم ؟! إنّ هذا المجتمع تعرّض لكثير من التحدّيات ولو ذهبنا نعدّدها لضاق بنا المقام، ولكنّه رغم جميع التحدّيات والعوامل والفتن التي يتعرّض لها أبناء الجيل، لا يزال متماسكا يصارع ويُغالب ولن يقهر إلاّ إن كفر بالإسلام الذي ضمن تماسكه، وهذا ما لا يكون ولن يكون بحول الله، فما خرج الإسلام طيلة عهده من بلد حلّ فيه، الزكاة تؤدّى بانتظام في إنعاش جميع مشاريع البرّ والإحسان والتعليم، وأكثر المشاكل والخصومات تفضّ بطريقة سليمة بدون التجاءٍ إلى المحاكم إلاّ عند الضرورة، وتنفيذ الوصايا وقسمة المواريث تحلّ دائما في محضر الجماعة وليس على الموثّق إلاّ التسجيل، ولا نجد -إلاّ ناذرا- ميّتا بالغا يموت بدون وصية مهما كان مستواه المادّي أو الاقتصادي ».

(الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، الصفحات: 18-20)

Categories:   ندوة الإربعاء

Comments

Sorry, comments are closed for this item.