موقع الشيخ طلاي

Menu

حديث الصمت – الأستاذ أحمد بن محمد بكلي

جلسة يوم  26/01/2011م الموافق ليوم 21 صفر 1432هـ

أيّها السادة الأساتذة، أيّها السادة الحضور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حديثنا في هذه الليلة سيكون وفاءً لِما وعدتكم به في الحصّة السابقة.

أذكِّركم أنّ الحصّة كانت من كتاب الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني وكتابه معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين، للأستاذ عمر إسماعيل آل حكيم.

وذكر صاحب الدراسة أثناء الترجمة للشيخ عبد العزيز الثميني أنّ الشيخ اعتزل الناس لمدّة سبع سنين أو أزيد لخلافٍ وقع بينه وبين المواطنين في قضيّة إصلاح ذات البين، ووجوب القيام بالحقّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وذكرتُ لكم عند ذلك أنّ صاحب رواية حديث الصمت، الأستاذ أحمد بن محمّد بَكَلِّي ذكر في كتابه رواية وقصّة استدعاء الشيخ عبد العزيز من طرف عقلاء وأعيان قرية “اقْصَرْ لَحْمَرْ” في القرارة للتوسّط بينهم وفظِّ النزاع بينهم.

وقد أدّى الأمر إلى الجدال الدموي والفتنة الرعناء بين المجموعتين فيما يُعرف في تلك العهود بفتنة “اشْراقَهْ ولَغْرابَهْ”.

والكتاب حديث الصمت عبارة عن قصّة فيها كثير من الخيال الأدبي، والتاريخ، ووصف الحياة الاجتماعية في تلك العهود، شأن القصص التاريخية؛ وأسوق لحضراتكم بعض فقرات منها، تصف اتّفاق الجماعة على استدعاء الشيخ للصلح بينهما، وانتقال الشيخ إليهم، وجهود الشيخ في حقن الدماء وإقرار السلم في قرية من قرى مزاب، بإعانة من الله لا محالة، وبحكمته ورزانته ونظراته الصائبة.

يقول في ص44:

قيل إنّ سبب التصارع كان تهميش عشائر “لَغْرابا” من طرف عشائر الـ “اشْراقَا”، الذين كانوا وقتها يفوقونهم عددا، تمثيلَهم في حلقة إعَزّابَنْ وفي جماعة إمَكْراسْ

إلى أن قال: ظلّ العقلاء في عزلتهم سجناء عدوانية المتطرّفين وغباوة المتعصّبين (من المجموعتين المتصارعتين).

فكّر أحد العقلاء في حلّ يُخرج القرية من الورطة التي وقعت فيها، تمثَّل الحلّ في استدعاء الشيخ عبد العزيز من قرية آتْ يزْجَنْ للوساطة.

ثمّ يقول في ص46 وما بعدها:

«قبل الفجر بساعة كان الوفد أمام الباب الرئيسي لقرية آت ايزْجَنْ.

حين طُرق عليه الباب كان الشيخ عبد العزيز، ومن خلال ضياء فتيل الزيت، يقلب أوراق كتاباته، متزوّدًا بأنس وسكون ساعات إدبار الليل وإقبال الصباح. استأذنه إمَكْراسْ في إدخال الوفد الذي رافقوه من باب القرية. لمّا أذِن لهم انصرفوا وتركوا الشيخ صحبة أضيافه. عند سماع الشيخ بأنّ الوفد قادم من اقْصير لَحْمَرْ امتعض وبدا القلق على وجهه.

[قال مخاطبا لهم:]

إنّني بريء منكم ومن فتنتكم، ألا تخشون الله؟

بلى إيباركْ فيك، أجاب كبيرهم. تُبنا إلى الله ونشهد بحضرتكم أنّنا عصيناه، لذلك قصدنا مقامكم الكريم.

بماذا ستقابلونه حين يسألكم عن الرقاب المسلمة؟

أجابه أصغرهم وكان فطنا مُلِمًّا ببعض الفقه:

معذرة إيباركْ فيكْ، لقد سئمنا تكاليف هذه الفتنة المرهقة. نحن وفدٌ تشكََّل طواعية من إرادات تسعى إلى الخير وتمثِّل الطرفين. نريد أن نُصلح ما أفسدنا. ومعذرة إذا تجرَّأْتُ بالقول بأنّ الله سبحانه فتح لنا سبيل ذلك حين قال: }فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُومِنٌ{…

أطْرقَ الشيخُ عبد العزيز مَليا ثمّ رفع رأسه متوجّها إلى الحاضرين:

أنتم أضيافي اليوم وغدا بعد ذلك سننظر في الأمر.

تدخّل كبيرهم:

إيباركْ فيكْ، لقد قصدنا مقامكم الكريم متستّرين وعلى عجل. فقومنا سيفتقدوننا لا محالة إن طال غيابنا، فنحن لم نخبر أحدا خوفا من أن ينكشف أمرنا وتفسد خطّتنا. مرادُنا هو أن نلتمس من مقامكم الكريم الحضور إلى اقْصيرْ لَحْمَرْ للوساطة بين الفريقين، وأنتم أدرى، سيّدي الشيخ، أنّ أمر الوساطة سيضعف مفعوله إن تفطّن القوم إلى سعينا، ربّما سيتعنّتُ البعض عنادا وكبرياء، لذلك كان لزاما علينا أن نعود في أقرب وقنت ويرانا الناس على الأقلّ قرابة ظهر الغد، وكأنّ شيئا لم يحدث.

بارك الله سعيكم، سيروا في وديعة الله، سألتحقُ بكم بعد أيام قليلة إن شاء الله.

رجع الوفد؛ عند وصولهم اقْصيرْ لَحْمَرْ كانت الشمس عالية في الأفق.

أكّدوا على دليلهم أن يترقّب قدوم الشيخ، ويعمل على أن يرافقه أكبر عدد ممكن من رجال القبائل المجاورة للقرية حتّى يشهروا وصوله

(…)

حين وصل موكب الشيخ يحيط به مزيج من المهارى والجياد، كان الناس على أهبة استقباله، تقدّم إعَزّابَنْ ثمّ تلاهم شيوخ القبائل والأمناء. توجّه الكلّ إلى اقْصيرْ لَحْمَرْ. اندلفوا في الشارع المؤدّي إلى المسجد. هناك رفع الشيخ يديه بدعاء مطوّل، وطلب من الناس أن ينصرفوا إلى منازلهم ليبقى مع إعَزّابَنْ وشيوخ العشائر والأمناء.

تصالح الجميع، قُدّرت ديات القتلى. تمّ الاتّفاق على توزيع مقبول للأراضي الجديدة. تبيّن لهم وقتها بأنّ المساحة المتنازع عليها أزيد من قدرتهم على استصلاحها لأجيال وأجيال كثيرة…».

وكان دعاء الشيخ لمّا أشرف على واحة اقْصير لَحْمَرْ:

«يا منزّل الماء من السماء، يا منبت ما يزرعون وما يحرثون، يا فالق الحبّ والنوى، ويا محيي الأرض بعد موتها، اِشرحْ صدورنا، وأنزل رحمتك في قلوبنا، وألِّفْ بينها حتّى نستجيب لأمرك…».

Categories:   ندوة الإربعاء

Comments

Sorry, comments are closed for this item.