أشعة الشروق – محمد الهادي الحسني

جلسة يوم  09/11/2011م الموافق ليوم 14 ذي القعدة 1432هـ

أيّها السادة الحضور ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

إطلالتنا في هذه الأمسية ستكون في كتاب طُبع أخيرا من طرف شركة دار الأمّة، وهو عبارة عن مجموعة مقالات نُشرت في جريدة الشروق الوطنية، للأستاذ الوطني الغيور، والأديب المبرّز، صديقنا محمّد الهادي الحسني، متّعنا الله بحياته وبمقالاته وأدبه الهادف.

الكتاب طُبع في سنة 2005 بعنوان أشعّة الشروق.

بدأ المقال بنكتة شعبية أصبحت مثلا يُقارن فيها بين الذئب والقطّ، وأيّهما هو الذي يصدق عليه المثل الشعبي «شَاهْدِي كُعَالْتي»، ويرجّح أنّ الذي قال ذلك هو الذئب لا القطّ.

ويتدرّج من ذلك إلى ما يقال عن فرنسا عندما استعمرت وطننا 132 سنة، إنّها فعلت فيها الخير الكثير ، وبفضلها تحضّرنا وأخذنا وسائل التمدّن، ويخلص إلى أنّها إن فعلت ما فعلت من الوسائل الحضارية كالتعليم ووسائل التمدّن مع قلّتها إنّما فعلت ذلك لأجل أبنائها من المعمّرين فحسب، لا لأجل العرب كما يسمّوننا.

وإليكم النصّ، صحيفة 219 وما بعدها.

« الذئبُ وشاهده

هناك روايتان شعبيتان، تقول أولاهما إنّ القطّ ادَّعى دعْوى، فاستُشْهِدَ شهيدا، فقال: ذيلي.

وتقول ثانيتهما إنّ الحيوان المُدَّعي هو الذئب الذي كان جوابه هو الجواب السابق نفسه.

إنّني أرجّح أنّ الحيوان المدَّعي هو الذئب، فهو حيوان خبيث، ماكر، متوحّش، يفسد الأرض ولا يصلح، لأنّ الشرّ غريزة فيه، ولهذا كان أقرب الحيوانات إلى عقل يعقوب -عليه السلام-، عندما طلب منه أبناؤه إرسال أخيهم يوسف معهم يَرْتَعُ ويلعب، فقال لهم: «وأَخَافَ أن يَأْكُلَهُ الذٍِّئْبُ»، ولمّا فعلوا فعلتهم في أخيهم يوسف، كان الذئب -أيضا- هو أقرب الحيوانات إلى عقولهم لإلصاق الجريمة به، فـ«قالوا يا أبانَا إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسَفَ عِنْدَ مَتَاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ»، وهذه هي الجريمة الوحيدة التي لم يرتكبها الذئب.

أمّا القطّ فهو حيوان وديع، أليف، نظيف، يعيش مع الإنسان، ويتعلّق به حتّى، أنّ صحابيا جليلا هو عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي كُنِّيَ به فقال: «كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يدعوني: أبا هِرٍّ، ويدعوني الناس: أبا هريرة».

إنّ “ذئبنا” في هذه الكلمة هو فرنسا، التي خُلقت للفساد، فاعتدت على وطننا، وعاثت فيه فسادا، وأهلكت حرثه ونسله، ثمّ راحت تُنَقْنِقُ في العالَم، وتدَّعي أنّها لم تعمل في الجزائر إلاّ صالحًا، وأنّها أنْشَأَتْها خلقا آخر..

أمّا ذيلها -وإن كان يمشي على رِجلين- الذي استَشْهَدَتْهُ فشهدَ لها، فهو كائن يُسمَّى “الدكتور الشريقي” الذي لا نعرف اسمه الشخصي، واكتُفي في تعريفه بأنّه “عضو المجامع العلمية”، وأنّه محاضر بالجامعات؟؟؟ !

إنّ أغبى الأغبياء هو من يظنّ أنّ الناس بُلْهًا، تنطلي عليهم الأكاذيب وينخدعون للإفك، وهذا الدكتور من هذا النوع، حيث ظنّ أنّ الناس سيصدّقون أكاذيبه التي سوّد بها 74 صفحة، التي يتألّف منها الكتاب، مشيدا فيها بـ”منجزات فرنسا” في الجزائر حتّى صارت جنّة «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». ممّا عملته فرنسا وقدّمت ذلك كلّه بقلب طيّب للجزائريين، ممّا يحسدهم عليه الآخرون ويتمنّون استعمارها لهم لتخرجهم من الظلمات إلى النور.

لن يكون الردّ على هذا الدكتور من عندي حتّى لا يقال إنّني انطلقتُ من عاطفة تبدي المساوئ وتنكر المحاسن، ولكنّني سأترك ذلك للفيلسوف الفرنسي “جان بول سارتر”، الذي لا يستطيع الدكتور ولا غيره أن يزايد عليه في حبّ فرنسا، حيث اختصر وجودها في الجزائر في جملة واحدة، عنون بها أحد كتبه، وهي: “عارنا في الجزائر”، وشرح هذا العار بقوله: «إنّ الإنسان لا يستطيع إلاّ أن يكون شقيا في ظلّ الحراب الفرنسية». (ص7).

إنّ جان بول سارتر ليس أعمى بل له عينان يبصر بهما، وعزّزهما بنظّارتين سميكتين وعقل يفقه به، فرأى المنجزات الفرنسية في الجزائر، من سدود وجسور ومدارس وطرق ومصحّات كما رآها الشريقي، ولكنّه عرف لماذا أنجزت، ولفائدة مَن أُُنجزت، فلم يزيّف الحقيقة ولم يكذب لا على نفسه ولا على قومه ولا على الناس الآخرين، وأكّد «أنّ العمل الفرنسي كلّه في الجزائر قد أُنجز لصالح المستعمرين»، (ص21) لأنّ جان بول سارتر يعلم أنّ الخير لا يمكن أن يأتي من الشرّ، وشرّ الشرور هو نظام الجزائر الذي هو في حدّ ذاته نظام شنيع مسيخ. (ص25).

…».